الشريف الرضي

281

المجازات النبوية

215 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : " كلكم بنو آدم طف ( 1 ) الصاع لم تملؤوه ، وليس لاحد على أحد فضل إلا بالتقوى " في حديث طويل ، فقوله عليه الصلاة والسلام : " طف الصاع " ها هنا استعارة . والمراد أن كل من كان من ولد آدم عليه الصلاة والسلام ، فهو ناقص لا يوصف بالتمام ، ولا يعطى مزيد الكمال ، وإنما يتفاضل الناس بأعمالهم ، ويفضلون بكثرة فضائلهم . وإنما يوصف الانسان بأنه فاضل إذا أضيف إلى الناقص ، وإلا فلا بد من نقائص تتخلل فضائله ، ومساو ( 2 ) تتوسط محاسنه . إما بأن يكون فاضلا في حال ، وناقصا في حال ، وإما بأن يكون قاصرا عما فوقه ، وزائدا على من دونه . وقوله عليه الصلاة والسلام : " طف الصاع لم تملؤوه " من العبارات العجيبة عن هذا المعنى ، يريد أن كلكم قاصر عن غاية الكمال ، تشبيها بطف المكيال ، وهو أن يقارب الامتلاء من غير أن يمتلئ . يقال : طف المكيال وطفافه إذا أريد به هذا المعنى ، وهو ضد الطلاع ( 3 ) والطفاح ، لان هاتين اللفظتين

--> ( 1 ) الصاع : مكيال تكال به الحبوب ، وهو قد حان مصريان عند أكثر الفقهاء ، وطف الاناء وطففه وطفافه : بفتح الطاء وكسرها ، ما ملا حافته وجوانبه ، ولم يصل إلى رأسه وغايته ، وهو ملؤه أيضا ، ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم : " لم تملؤوه احترازا من طف الكيل " بمعنى ملئه . ( 2 ) مساو : جمع مساءة ، وأصلها مساوئ ، سهلت الهمزة بقلبها ياء ، فصارت مثل جواري ثم حذفت الياء للتنوين . ( 3 ) طلاع الشئ : بكسر الطاء ملؤه ، وطفاح الشئ ملؤه أيضا ، ومن ذلك طفاح الأرض ذهبا : أي ملؤها ذهبا .